ابن كثير

252

البداية والنهاية

فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم به خطأ كبير ، من تخوين الصحابة وممالاتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه ، وصرفهم إياها إلى غيره ، لا لمعنى ولا لسبب ، وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الاسلام هو الحق ، يعلم بطلان هذا الافتراء ، لان الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء ، وهم خير قرون هذه الأمة ، التي هي أشرف الأمم بنص القرآن ، وإجماع السلف والخلف ، في الدنيا والآخرة ، ولله الحمد . وما قد يقصه بعض القصاص من العوام وغيرهم في الأسواق وغيرها من الوصية لعلي في الآداب والأخلاق في المأكل والمشرب والملبس ، مثل ما يقولون : يا علي لا تعتم وأنت قاعد ، يا علي لا تلبس سراويلك وأنت قائم ، يا علي لا تمسك عضادتي الباب ، ولا تجلس على أسكفة الباب ، ولا تخيط ثوبك وهو عليك ، ونحو ذلك ، كل ذلك من الهذيانات فلا أصل لشئ منه ، بل هو اختلاف بعض السفلة الجهلة ، ولا يعول على ذلك ويغتر به إلا غبي عيي . ثم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كان علي من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه كما تقدم ذلك مفصلا ولله الحمد والمنة . وسيأتي في باب فضائله ذكر تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم له من فاطمة بعد وقعة بدر فولد منها حسن وحسين ومحسن كما قدمنا . وقد وردت أحاديث في ذلك لا يصح شئ منها بل أكثرها من وضع الروافض والقصاص . ولما بويع الصديق يوم السقيفة كان علي من جملة من بايع بالمسجد كما قدمنا . وكان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضا عليه ، وأحب الأشياء إليه ، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر - وكانت قد تغضبت بعض الشئ على أبي بكر بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها عليه السلام ، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء وأنهم لا يورثون ، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة ، فأبى ذلك عليها ، فبقي في نفسها شئ كما قدمنا ، واحتاج علي أن يداريها بعض المداراة - فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق رضي الله عنهما ، فلما توفي أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر إليه بذلك ، كان علي من جملة من بايعه ، وكان معه يشاوره في الأمور ، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته ، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام ، وشهد خطبته بالجابية ، فلما طعن عمر وجعل الامر شورى في ستة أحدهم علي ، ثم خلص منهم بعثمان وعلي كما قدمنا ، فقدم عثمان على علي ، فسمع وأطاع ، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين على المشهور . عدل الناس إلى علي فبايعوه ، قبل أن يدفن عثمان ، وقيل بعد دفنه كما تقدم ( 1 ) ، وقد امتنع علي من إجابتهم إلى قبول الامارة حتى تكرر قولهم

--> ( 1 ) في الطبري والكامل : بويع لخمس بقين من ذي الحجة بقيت المدينة خمسة أيام ، بعد مقتل عثمان ، وأميرها الغافقي بن حرب حتى غشى الناس عليا فبايعوه 3 / 193 ، وذكرها الطبري عن سيف عن أبي حارثة 5 / 156 وقال ابن الأعثم : ترك عثمان قتيلا إلى أن بويع علي وأتي به إلى حفرته 2 / 241 وفي مروج الذهب : بويع علي في اليوم الذي قتل فيه عثمان .